شعار محامون بلا قيود
تابعونا  

الرئيسية » مقالات وآراء » من تراب الطريق » إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون


إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون

بقلم : رجائى عطية





عدد القراءات : 793
الإثنين , 8 فبراير 2010

رجائى عطية
رجائى عطية

كثيراً حين تلم النوازل وتجتمع الآلام ، من غدر وخيانة وجحود ونكران الأصدقاء ، ما يأتينى بغير إستدعاء هتاف صامت منبه لهذه الآية الكريمة : " إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ  " ( النساء 104 ) .. الصادق الأمين النزيه الكريم ممتحن فى هذه النوازل فى شيمه وسجاياه ، وفى احتسابه وصبره ، ولكنه فى رحلة معاناته لا ينقطع رجاؤه فى كفكفة الزمن وتطبيب الأيام وعناية الله التى تحيطه وترعاه . بينما الغادر الخائن لا يتذرع بصبر لأنه لا شئ يصبر عليه ، ولا يأمل فى رجاء ، فقد فعل ما أراد ، وأتى ما أساغه لنفسه متسلحاً بحيلٍ تبريريّة وصفها علماء النفس بأنها حيل آلية دفاعية قوامها الكذب على النفس وافتعال الأسباب بهذا الكذب لتبرير ما تأباه النفوس السوية ! .. فإذا كان الغدر وكانت الخيانة والجحود والنكران ليست من السواء ، إلاَّ أنه عزيز على الجانح أن يعترف على نفسه بهذا الانحراف  ، فيختلق لجنوحها المعاذير والأسباب والتعلاّت ويدفع نفسه لتصديقها حتى يبعد شبح ما قارفه ، ويطمئن إلى ما هو فيه ، ويعطى ظهره لهاتف الأخلاق ونداء الضمير ، ويهضم ما هو فيه من قبح ودمامة الغدر والخيانة ، ويستسيغ القبح ويستطعمه ، ويعود فيفرزه ، لأنه يملأ كوامن نفسه ومجدول فى سلوكه ، فلا يرى فى عماه الضرير ما يراه الناس فيه ، ولا ما تنكره الأخلاق عليه ، ولكنه مهما غرق فى التبريرات و التعلاّت ـ لا يهنأ له بال ، ويشعر بينه وبين نفسه بالخزي الذى يسعى إلى مواراته بالتظاهر ، وبالعار الذى يمارى فيه مماراة  اليائس الذى يحس مهما أنكر ومارى وجادل نفسه أو غيره ، أنه ملتصق به لا يستطيع أن ينزع ثوبه عنه .. لا أمام نفسه ولا أمام الآخرين !

     لا يمكن لمثل هذا أن يلجأ إلى شميلة أو سجية الصبر، فهى بعيدة عن متناول ما هو فيه ، ولا أن يأمل فى رجاء لأنه غارق فى حالةٍ أطبقت عليه وقطعت بينه وبين الله ، وبين قيم الحق و الجمال ، فلا يجد لنفسه أملا ولا رجاءً يخرجه مما اختار بغدره أن يهبط إليه !

     هذه الصورة مشهودة متكررة فى حياة الناس ، فمع وجود القيم والأخلاق وشيم الصدق والأمانة والوفاء ، وجدت وستظل توجد خصال الغدر والجحود والخيانة والنكران ، وهذا الواقع مهما كان فيه من مرارة إلا أنه واقع ماثل ، لا انتصر به غادر خائن جاحد ، ولا انسحق به مغدور به ، فألمه يتناقص ولا يزيد ، أو كما قيل : يولد كل شئ صغيراً ثم يكبر ، إلاّ النوازل فهى تولد كبيرة ثم تصغر وتتضاءل بمرور الزمن حتى تتلاشى .. بينما فى المقابل ، لا تلاشى لأنه مناقض للحالة الغارقة فى بئر الخيانة ، المستسيغة للقبح والدمامة ، المتوارية أو الراغبة فى التوارى بسوء صنيعها عن عيون وسهام انتقادات الناس التى ترى ما يحاول مواراته ، وتدرك حقيقة ما يحاول الخداع فيه !!

           من شهور كتبت تلميحاً لا تصريحاً ، عن خيانة وغدر زميل قابل ما قدم إليه بالجحود والنكران ، وقابل الوفاء والإخلاص ، بالغدر والخيانة .. ولكنه لم ينعم فى النهاية بغدره ، ولا فاز بخيانته ، وخسر كل شئ وخسر معه احترام الناس ! .. لم يكن غريباً وهو غارق فى الحالة أن لا يرى ما فيها من قُبح ، وأن يختلق لفعلته المعاذير و التعلاّت ، ولكنه لابد يدرك فيما بينه وبين نفسه أنه يراوغها ويكذب عليها ليتجمل أمام نفسه وأمام الناس !

           حتى الندم ، هو الآخر نقطة فارقة ، لا يعرفها الغارق فى بئر الغدر والخيانة ، فهو فى سعيه لإساغة ما هو فيه ، يقاوم ـ بالتبرير الكاذب ! ـ الإقرار بالخطأ ، و يصادر الشعور بالندم ، مع أنه هو الذى يمسح جراح الخطيئة ، ويعيد النفس الجانحة إلى رشدها ، ويردها إلى الحق الذى هجرته وأنكرته ، فتغدو من ثم حالته حالة مستعصية لا شفاء منها !

          يقال فى الأمثال العامية ، يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم !! ظنى أن هذا التعبيرهو إستلهام بالسليقة والفطرة البسيطة للآية القرآنية الكريمة "  " إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ  "..  وهو استلهام ينطوى بالفطرة على رؤية صادقة لواقع الحياة الذى يعطى الرجاء

ولا يقطع الأمل فى إنبلاج الصبح ووأد الباطل ودمغ الخطيئة بما تستحقه !

         لا يوجد فى الدنيا بكل مغرياتها ما يقابل قيمة تصالح الإنسان مع نفسه .. لقد قال المسيح عليه السلام : " لن تربح شيئاً إذا كسبت كل شئ وخسرت نفسك " .. إحترام النفس قيمة لا تعادلها كل المغانم ، ولا يعوضها انطلاء حيل الخديعة على الناس ، فكل إنسان أدرى بنفسه ، لذلك قال العقاد : " إننى أحرص على احترامى لنفسى قبل أن أحرص على إحترام الناس لى " .. هذه مقولة بالغة الحكمة ، لأن الناس قد تنخدع عن الواقع فينطلى عليها الكذب أو تتوهم الصدق والنظافة ، بينما الواقع غير ما توهمته أو إنطلى عليهما .. هذا الواقع هو الغناء الحقيقى الذى جعل العقاد يقول : " قيمتك فى نفسك " .. ولأن يقول فى إحدى أثيراته : إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح ، وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن ، بعض الكراهات خير لك من بعض المحبات !!!


إطبع الصفحةأضف تعليق

التعليقات


 

- حصانة المحامي والمحاماه

- رسالة الى من يهمة الامر مواد المحاماة فى القانون التى حصلت على الحماية الدستورية

- الفنون والإنسان (2)

- حبس المحامين.. تحت عنوان ترخيص مزاولة المهنة ؟!

- درينى خشبة وتاريخ المسرح فى ثلاثة آلاف سنة

- الفراسة .. علم أم فن أم خرافة ؟!

- من همس المناجاة وحديث الخاطر (62)

- إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون

- قدسية الروح فى الإسلام .. ليس من الإسلام قتل الأبرياء بغير حق !

- قوة الطاقة الروحية .. ومعالم التقريب

- أبوحيان التوحيدى والصداقة والصديق !!

- بين سعة الصدر .. وقوة الصبر !

- رجائى عطية يفتح النار على الاخوان المسلمين

- بين التفاهة و العظمة!

- الفنون والإنسان (1)



جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية ( إخلاء مسئولية , ميثاق العمل بالموقع )
جميع الحقوق © محفوظة لـ / محامون بلا قيود , mygo_lymo@hotmail.com
جميع الأوقات بتوقيت : Africa/Cairo | GMT+02:00